تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ❤️

نزهة فلسفية في غابة الأدب

نزهة فلسفية في غابة الأدب

 
A philosophical trip In The Forest Of Literature
بقلم د. طـارق رضـوان
كان من الطبيعي أن تقوم علاقة بين الأدب وعلم النفس ودراسة النفس البشرية ، من دوافع وغرائز وسلوكيات. لكن الأدباء حملوا إثما كبيرا لإهمالهم هذا الجانب الهادئ، الذي قد ينفجر في لحظة ما ، وربما فعلوا ذلك خشية أن يتورط اللاوعي المخفي عندهم وينزل على صفحات كتبهم ، وكلنا يعرف أن القسم الأكبر من الكتاب والأدباء يسعى لإخفاء ماضيه أو تغيير بعض حقائقه حتى أخر لحظة في حياته
الفلسفة علم دقيق يرتبط بكل أنواع العلوم الحياتية والإنسانية، وتعتمد في أسلوبها على التحليل والتأمل في الظواهر والمشكلات التي قد تقع أمامها. فهى أسلوب يحاول جاهداً الإجابة على تساؤلات الحياة بحثاً عن الحقيقة.
يعتبر علم النفس مجموعة من الدراسات العلمية التي تهدف إلى تفسير السلوك البشري وشخصيات الأفراد للتوصل إلى فهم دوافع السلوك، وتفسيرها والتنبؤ بها، والتحكم فيها. تشترك الفلسفة مع علم النفس بكونهما يحاولان الغوص في أعماق الإنسان وأسراره، ويظهر هذا التشارك جلياً بمحاولة كلاهما الإجابة على تساؤل من أنا؟ وربط الإنسان بمحيطه، فبالنسبة للفلسفة وعلم النفس لا يمكن فصل الإنسان عن بيئته.
ومهمة الأدب في الواقعية الروحية هي توسيع حقل رؤيتنا والتجربة ضد كل الأفكار المسبقة، وإذ كنا قد قلنا إن الحقيقة في إدراك وحدة الأضداد، فالعمل الأدبي لا بد أن يشمل التجربة الإنسانية بكل متناقضاتها، فيصور الإنسان في بعده الواقعي الطبيعي، وكذلك في بعده الرومانسي المثالي، وكذلك في بعده الواقعي الروحي . فالواقعية الروحية تنطلق من المبدأ الذي قال به الفيلسوف العربي الكندي “أن كل ما يقع في الكون يرتبط بعضه مع بعض ارتباط علة بمعلول، ثم إننا متى عرفنا موجودا من الموجودات معرفة تامة كان لنا منه مرآة تعكس فيها سائر الموجودات في العالم”.
ارتبطت الفلسفة ومازالت ترتبط بمجالات فكرية متعددة من ضمنها مجال الأدب. وهناك سمات مشتركة تجمع بين هذين العالمين أهمها البحث عن الوجود وماهيته، والذات وسبر أغوارها، وفي مدى ارتباطها بالكون وبأحداث عصرها المتغير.
الفلسفة باعتبارها بحثا عن الحقيقة تتوسل باللغة والأدب يبني عالمه على اللغة أيضا. فاللغة هي القاسم المشترك بين المجالين ولكن ليست اللغة فقط وإنما هناك علاقة أخرى تجمع بينهما وهي علاقة معرفية فما تتوصل إليه الفلسفة يجسده الأدب بأجناسه المختلفة من شعر وقصة ورواية ومسرح.
ففى عهد الإغريق رفض الفيلسوف أفلاطون وجود الفن والشعر والشعراء في مدينته بحجة أن الفن عموما والشعر خصوصا يقومان على مفهوم المحاكاة واتخذ مفهوم المحاكاة مفهوما دونيا لأنه يحاكي العالم الحسي والشعر عنده إيهام بالحقيقة، بينما الفلسفة ترتبط بالعلم أي بالحقيقة . فأخذ مفهوم الأدب مفهوما دونيا قياسا على هذا المفهوم الذي بقي تأثيره في الفكر الإنساني لفترة زمنية طويلة.
من جهة أخرى رأى الفلاسفة المسلمون الشعر وسيلة من وسائل توصيل رؤاهم الفلسفية عبر القوالب الشعرية فأخذ المنظور إلى الشعر وجهة مختلفة حيث وظفوا الأفكار والرؤى الفلسفية، فالجاحظ مثلا كان يعرض أفكار المعتزلة في قالب شعري ولقب أبو حيان التوحيدي بأديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء واشتهر أبو العتاهية في شعره بإثارة قضايا فلسفية عميقة
كما استعمل الفلاسفة بعض الأجناس الأدبية للتعبير عن نظرياتهم الفلسفية كما تمثل في محاورات سقراط مع تلاميذه. وقدم كثير من المفكرين الفلاسفة مفاهيمهم الفلسفية في أسلوب ممزوج بين أسلوب السرد واللغة الشاعرية خاصة في فلسفة ما بعد الحداثة التي اعتنت بالأدب بصورة خاصة.
ومثال على ذلك فردريك نيتشه الذي قدم فلسفته بصورة سرد روائي في عمله العظيم “هكذا تكلم زرادشت” وجان بول سارترفي رواية “الغثيان ” التي ترجمها إلى العربية سهيل إدريس . وذهب الروائي التشيكي “ميلان كونديرا” إلى أبعد من ذلك في دراسته حول أهمية الرواية في قيامها بمعالجة الجوانب الفلسفية لوجود الإنسان في كتابه المعنون ب “ثلاثية حول الرواية: فن الرواية” فقد درس بعمق العلاقة بين الرواية والفلسفة لا من حيث الأسلوب بل من حيث الوظيفة.
وتأثر كتاب المسرح كمجال من أهم مجالات الأدب بالفلسفة والنظريات الفلسفية مثل الفلسفة الوجودية وفلسفة العبث وانتقل هذا التأثير من المسرح الغربي إلى المسرح العربي. منذ القدم كان المسرح مجالا واسع الغنى فمسرح سقراط يضمن حواراته رؤيته الفلسفية داخل فضاء معين ومن داخل النتاج المسرحي يتجسد التفكير الفلسفي بلغة وجماليات تكسبه وضوحا جماليا ويحول الأفكار التجريدية إلى أفكار أسهل استيعابا . كان المسرح العربي ولا يزال متأثرا بالمسرح الغربي وينهل من الفلسفات التي أثرت فيه وأثرته برؤيات متعددة ، وقد تجاوز النقل والتقليد إلى الابتكار وخلق التجارب الجديدة، ودفع بالمسرحيين إلى تكثيف الجهد من أجل إنجاح عملية الانتقاء التي تتناسب مع عملية التواصل مع الجمهور العربي الذي يختلف وعيه الجمالي وذائقته عن الجمهور الغربي الذي فيه نشأت هذه النظريات الفلسفية وتشربها وتوافقت معه.
وعلى الرغم من صعوبة انتقال النظريات والأفكار الفلسفية فقد غامر كتاب المسرح بالتفاعل مع الإبداعات الفلسفية الغربية، وحاولوا تقديمها في بيئة غريبة عنها، وأهم تلك النظريات الفلسفة الوجودية والفلسفة الاشتراكية، فالمسرح ليس مجرد فرجة وترفيه وإنما هو بالأساس فلسفة، فلسفة لتفسير العالم ، ومحاولة تجميله وتغييره. ويعلق عبد الكريم برشيد على فلسفة برشت بالتأكيد على أن”المسرح ليس فرجة فقط، وإنما هو بالأساس فلسفة، فلسفة لتفسير العالم أولا، ولتغييره ثانيا”. وتفسير العالم وتغييره، مهمتان صعبتان بلا شك، الشيء الذي يكشف عن خطورة هذا الفن الذي يسمى المسرح.
ولا شك أن هذه التحولات الكبيرة في الأساليب الأدبية التي نهلت من المنظور الفلسفي قد ساعد على رفع القيم الجمالية للمسرح الحديث من جانب، وإثراء الثقافة المعرفية على المستوى الإنساني من جانب آخر
يقول الدكتور أحمد طولة في كتابه المسرح والفلسفة : إن الإخراج كتابة صورية داخل الفضاء فهو حوار حسي، حوار مع النص الأدبي وحوار ينتهي في الأخير بإعطاء تركيبات إبداعية فيها شيء آخر من الصياغة والصناعة وهو حوار مع الممثل وحوار مع المتلقي
وكتاب «نزهة فلسفية في غابة الأدب» هو حوارية بين الروائية والفيلسوفة آيريس مردوخ، والفيلسوف البريطاني بريان ماغي، تفصح عن أسباب التمايز بين الفلسفة والأدب والفن، باتخاذ الرواية أنموذجاً. في هذا الكتاب، تحذّر مردوخ من غواية القول، وتستبعده من مجالها، فـ«الكتابة الفاتنة» لا تجعل من الفيلسوف فيلسوفاً أفضل؛ حيث «قدرة المجالدة الصبورة على استكشاف معضلة ما، هي ما يميز الفيلسوف». وفي الفلسفة، كما تضيف مردوخ: «لا سبيل للتسامح لكتابة فلسفية سيئة وغير منضبطة؛ لأن شأنها شأن آخر؛ ذلك أن الفلسفة تبدأ من نقد الاعتقاد، إرباك العادات، معاكسة الغريزة، البحث في المعضلات ومساءلتها، تحديد الإشكاليات، نبش المفاهيم، السعي كما العلم لفهم العالم، ومن دون تفضيل ذاتي ومعايشة وجدانية. لذا تبقى الفلسفة، غالباً، ممهورة بعدم الرضى عنها ومن قبل أناس كثيرين، جراء ما تقوم به، بوصفها تلك الممارسة، الغريبة، التي تتطفل على النشاط الطبيعي للإنسان وميوله الخدرة
ويبين الدكتور إبراهيم فضل الله، أهمية ودور العامل والمضمون النفسي في المنتج الادبي، مبينا ان عالم النفس فرويد لجأ إلى الأدب ليبرهن على صحة نظرياته في التحليل النفسي، فقام بتحليل عقدة “أوديب” من خلال الأدب اليوناني القديم. كما كان فرويد يعقد مقارنة بين عمل الروائي وعمل الطبيب النفسي، ويقول في هذا الصدد، إنَّ الاثنين مجالهما الحياة النفسية، وما يصل إليه الطبيب النفسي بالعلم يبلغه الأديب بالحدس، وغير مطلوب من الطبيب النفسي أن يأخذ بالمنهج الأدبي.
كما أن الأديب غير ملزم بأخذ المنهج العلمي للطبيب النفسي. وبالتالي يستطيع الأديب أن يتناول أية قضية من القضايا النفسية، ويكتب فيها من منظوره الأدبي أو الفني، من دون أن يكون في تناوله للقضايا العلمية أي انتقاص من الناحية الجمالية.ويمكن تطبيق هذا في الفن والأخلاق والدين والميثولوجيا والسياسة والتاريخ. في الغرب فهو أن أهم واشد تأثير للتحليل النفسي على الحركة الأدبية بدا واضحا أثناء قيام الحركة السريالية Surrealist Movement على يد أندريه بريتون André Breton ، المفكر الذي استطاع أن يؤسس لعلاقة بين الواقع والحلم نتج عنه ” الواقع المطلق أو المكتمل ” .
أما السرد الروائي فقد اعتمد على سيل الوعي Stream of Consciousness الموجود عند الكائن البشري وطرد السارد العارف بكل الأحداث لصالح قارئ مستنبط للحركات والدوافع في النص السردي
أبرز مؤسسي الرواية النفسية فهو جيمس جويس ، الروائي الايرلندي ، ومن أبرز هذه الروايات Ulysses” )1922) . وكذلك عمله الأخير “Finnegans Wake” (1939) التي بنيت على فكرة اللاوعي الجمعي Collective Unconscious والتي تحدثت عن دور الأسطورة والرمز كظاهرة مستمرة في حياة البشر . وتدور أحداث الرواية من البداية للنهاية حول حلم لأبوين وولديهما في إشارة إلى أدم وحواء مع قابيل وهابيل .
وكان لعلم النفس والتحليل النفسي الأثر البالغ على النقد الأدبي ومختلف فروع الأدب وأنماطه . رواية توليستوي Tolstoy “آنا كيرنن” أو “”Anna Kerenin لا تصور مجرد الحياة الرومانسية بين شاب وفتاة بل الدخول أيضا إلى أعماق كل شخصية مثل “آنا” الني تعيش حياتها إلى النهاية رغم اليأس والشقاء ، وشخصية “ليفن” البائس الذي يتمكن من الوصول إلى حل معقول يتناسب مع واقعه . تعكس الشخصيتان حقائق أساسية من السلوك الذي يعالجه علم النفس .
وبطبيعة الحال فإن المبدع لا تلده أمه ليعيش في مكتبة ، وإنما يرتاد المكتبة لينمي خلفية معينة يجمعها مع اللاوعي الإبداعي ليعطي ويخلق عملا أدبيا وفنا جديدا . وأي عمل أدبي يمكن أن يتضمّن سيرة ذاتية مستمدة من اللاوعي في مرحلة طفولة المؤلف – وليس فقط مرحلة الطفولة كما يعتقد فرويد Freud – بل من مراحل أخرى أيضا في حياة هذا المؤلف . هذا ما طوّره إريك إريكسون Erik Erikson في دراساته عن أزمة الهوية
تعليقات الفيسبوك

الرابط المختصر :

إترك تعليق

البريد الالكتروني الخاص بك لن يتم نشرة . حقل مطلوب *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

الإنضمام للجروب
صفحتنا على الفيسبوك
الأكثر قراءة
مختارات عالم الفن
شخصيات عامة