تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ❤️

كَفاك حُزناً؛ فهذا ما يَجِبُ عليك فِعلُهُ معَ هؤلاء

كَفاك حُزناً؛ فهذا ما يَجِبُ عليك فِعلُهُ معَ هؤلاء

بقلم:

رافع آدم الهاشميّ

الباحث المحقّق الأديب

مؤسّس و رئيس

مركز الإبداع العالميّ

الْحَياةُ مَريرَةٌ؛ حينَ تكونُ غيرَ مفهومةٍ لديك، أَمَّا عِندما تتوغَّلُ بصيرتُك في ثناياها، سيكونُ لها مَعنىً آخَرَ جُملةً وَ تفصيلاً، فهيَ ليسَت إِلَّا عبارةً عَن تجارِبٍ مُتسلسلةٍ تعتَمِدُ آثارُها على رَدَّةِ أَفعالك أَنت، قبلَ اعتمادِها على الفِعلِ الصادرِ منها تجاهك، أَيَّاً كانَ الفِعلُ وَ مهما كانت غاياتُهُ، سواءٌ عليك كانت أَمْ إِليك، وَ كُلُّنا نحنُ النَّاجِحونَ قَد مَررنا بتجارِبٍ قاسيَّةٍ جدَّاً، لا أَحدَ فينا (نحنُ النَّاجِحونَ في يومِنا هذا) كانَ مِن غيرِ تجارِبٍ قاسيةٍ مؤلِمةٍ جدَّاً، حتَّى أَنا (وَ أَعوذُ باللهِ مِنَ الأَنا) قَد مررتُ بتجارِبٍ قاسيَّةٍ كثيرةٍ جدَّاً، بل: لا زِلتُ أَمَرُّ بأَحدِ أَكثرِها قسوةً وَ مَرارة!

عِندما مررتُ بأَوَّلِ تجربةٍ قاسيةٍ، كانَ ذلكَ قبلَ قُرابَةِ ثلاثِ عُقودٍ قَد مَضت، لَم أَكُن حينها عالِماً ربَّانيَّاً كما وفّقني اللهُ تعالى لأَن أَكونَ عليهِ في يومِنا هذا، وَ لَم أَكُن حينها أَمتلِكُ شيئاً مِن حقائقِ وَ خفايا وَ أَسرارِ عِلمِ (ما وراء الوراء)، بل حتَّى أَنَّني لَم أَكُن حينها مُحقِّقاً بَعدُ، لَستُ سوى شابٍّ في مُقتَبلِ الْعُمُرِ آنذاك، لَم أَقرءُ شيئاً غيرَ الْكُتبِ الدَّرسيَّةِ المنهجيَّةِ الحكوميَّةِ، وَ بعضَ قصصِ الأَطفال وَ الْمُراهقينَ وَ الْمُراهِقات، قائِمٌ بصَلاةِ الليلِ باستمرارٍ، صائِمٌ في النَّهارِ، عاكِفٌ على الطاعَةِ الْمُطلَقةِ لله، حينها، بعدَ أَن جَرحوا قلبيَ الطاهِرَ النَّقيَّ، اِعتزلتُ الحياةَ برُمَّتِها لأَكثرِ مِن ستَّةِ أَشهُرٍ بتمامِها وَ كمالِها، بعدَ غيبوبةٍ دامت لأَكثرِ مِن ثلاثةِ أَيَّامٍ بلياليها؛ إِثرَ مُحاولتي الانتحارَ بجُرعَةٍ مِن مُحتوى عُلبةٍ كاملةٍ مِن الأَقراصِ الْمُنوِّمَةِ ذاتِ العيارِ الأَعلى! كانَ يُفتَرَضُ حينها أَن أَكونَ ميِّتاً لا محالَة؛ وِفقاً لجميعِ المقاييسِ الطبيَّةِ ذاتِ العَلاقةِ الّتي كُنتُ على عِلمٍ مُسبَقٍ بها، إِلَّا أَنَّ إِرادَةَ اللهِ شاءَت ليَ الحياة!

مَن تسبَّبوا ليَ في تجربتي القاسيةِ تلكَ، كانوا لديَّ آنذاكَ مِنَ الْمُقرَّبينَ، أَو بشكلٍ أَدق: كُنتُ أَظنُّهم آنذاكَ أَنَّهُم ليَ مِنَ الْمُقرَّبين! هؤلاءِ الّذين جرحوا قلبيَ الطاهِرَ النَّقيَّ، جعلوني حَزيناً، كَئيباً، كَسيراً، أَبكي بدموعٍ تُحرِقُ الجَمرَ قبلَ الوَجنتينِ، لا أَبكي لأَجلِهِم، بل أَبكي لأَجليَ أَنا الجريحُ الطَعينُ، الّذي لَم يكُن لي أَحَدٌ مِنَ البَشرِ حينها ناصِراً أَو مُعيناً، فلا أَحَد أَخبرَني حينها قائِلاً:

كُلُّهم كانوا في دَوَّامَةِ أَنفُسِهِم، حَتَّى والدِاي! وَ كأَنَّني لَستُ ذو قيمةٍ لديهِم أَبداً، بل هذهِ هيَ الْحَقيقةُ بعينها؛ إِذ لو كُنتُ ذي قيمةٍ لديهِم، لأَخبروني قائلينَ:

  • كَفاك حُزناً؛ فهذا ما يَجِبُ عليك فِعلُهُ معَ هؤلاء.

التجارِبُ القاسيةُ علَّمتني دروساً لَن أَنساها أَبداً، مِن بينِها:

  • مَن يُحِبُّك حَقَّاً، يُسارِعُ لمسحِ دموعِ عينيك قبلَ نزولها، لا أَن يكتَفي بمُجرَّدِ النظرِ إِليك وَ كُلُّ ما فيك يتهاوى!!!
  • مَن يُحِبُّك حَقَّاً، يُسارِعُ إِلى نُصحِك وَ إِرشادِك قبلَ وقوعِك في الفِخاخ، لا أَن يبقى صامِتاً مُتفَرِّجاً ينتَظِرُ النتائجَ دُونَ مُبالاة!!!

وقتها، لَم أَجِدُ إِلَّا الناظرينَ الصامتينَ الْمُتَفرِّجين! فشعرتُ بوحدةٍ قاتلةٍ أَكثرُ قسوةً مِنَ التجربةِ القاسيةِ نفسها!!! إِذ لا أَحَدَ معيَ مُطلقاً، وَ كأَنَّني حَمَلٌ صَغيرٌ في غابةٍ مُظلِمَةٍ تُحيطُني الثعالِبُ مِن كُلِّ حَدبٍ وَ صوبٍ، وَ كُلُّ ثعلبٍ منها يُريدُ اصطياديَ لنفسهِ دُونَ ثعلبٍ آخَرٍ سِواه، لذا: كُنتُ قَدِ اِخترتُ الانتحار!

حينَ أَستعيدُ أَمامك الآنَ لأَجلِك ذاكِرةَ تلكَ الأَيَّامِ، أَبتَسِمُ بقلبٍ ضاحِكٍ وَ عَقلٍ مُقهقهٍ تتعالى ضحكاتي فيهِ؛ فقَد كُنتُ ساذِجاً حينها إِلى أَقصى الحدود! وَ تلكَ التجربَةُ القاسيةُ الّتي دفعتني لِمُحاولةِ الانتحارِ، لا تُعادِلُ شيئاً البتَّةَ أَمامَ ما أَمُرُّ بهِ اليومَ مِن أَقسى تجاربِ الحياةِ على الإِطلاقِ، حينَ أُقارِنُ تلكَ بهذهِ وَ هذهِ بتلكَ، أَجِدُ نفسيَ الآنَ جبلاً شاهِقاً راسِخاً مِنَ الفولاذِ لا مِنَ الحديدِ فقَط! لا شيء يهزُّني اليومَ مُطلَقاً، وَ لا شيءَ يوقِفُني عَن تحقيقِ غاياتي أَيَّاً كانت وَ إِن حاولَ تعطيلَ وصوليَ إِليها قدرَ ما يستَطيعُهُ هُوَ، وَ لا شيءَ يكونُ سَبَباً في تَجربةٍ قاسيةٍ لي إِلَّا وضعتُهُ اليومَ تحتَ حِذائي، وَ سِرتُ عَليهِ بثِقَلِ دبَّابةٍ لا تَلتِفتُ وراءَها حينَ تسيرُ إِلى الأَمام، أَيَّاً كانَ وَ كائناً مَن كانَ؛ فقَد دلّني الْحَبيبُ إِليهِ، وَ احتَضنني بفيضِ نورهِ، فأَمسيتُ عاشِقاً مُحِبَّاً مُتَيَّماً فيهِ، لا أَرى في الوُجودِ سِواه، وَ لا أَعشقُ الأَشياءَ إِلَّا طَلباً لرِضاه، وَ ليسَ مِن حَبيبٍ وَ معشوقٍ لديَّ إِلَّا الله!

  • وَ هَلْ يخافُ قلبُك شيئاً أَو يخشى عَقلُك أَمراً وَ مالِكُ الأَشياءِ وَ الأُمورِ الّذي هُوَ اللهُ الإلهُ الخالِقُ الْحَقُّ قَد باتَ معك في كُلِّ زمانٍ وَ مكان؟!
  • كانَ الْحَبيبُ معي وَ أَنا الَّذي كُنتُ غافِلاً عَنهُ آنذاك! فأَيقَظني مِن غَفوتي، وَ تعَشَّقَ حُبُّهُ بكُلِّ ذرَّةٍ مِن ذرَّاتِ كياني، فأَصبحتُ وَ أَصبَحُ الْمُلكُ للهِ الواحِدِ القَهَّارِ، دائماً وَ أَبداً في كُلِّ آنٍ وَ في كُلِّ أَوان.

  • التجارِبُ الْمؤلِمَةُ أَوساخُ الحياةِ، وَ كما أَنَّ الأَوساخَ مكانها خارج البيتِ في حاويةٍ سينتَفي وجودُ مُحتواها لاحقاً لا محالة، كذلكَ التجارِبُ المؤلِمَةُ مكانُها خارج التفكيرِ في سلَّةِ مزابلِ الذكريات؛ لينتفي وجودُها مِنَ الحياة، وَ مهما كانت آثارُها سَيِّئةً عليك حينها؛ فهيَ قَد علّمتك درساً ناجحاً لَن ينساهُ عَقلُك أَبداً حتَّى وَ إِن نسى قلبُك جراحَها فيك، فارمِ (ي) تجاربك القاسيةَ وَ كُلَّ مَن تسبَّبَ لك فيها خارِجَ حياتك دُونَ رجعةٍ منك في ذلكَ مُطلَقاً، لا تتحدَّث (ي) فيها، لا تُفكِّر (ي) فيها، لا تحاول (ي) الانتقام مِمَّن كانَ سبباً عليك بحدوثها وَ إِحداثها، فَوِّض (ي) أَمرك فيهِم إِلى الله، وَ لا تنظر (ي) إِليها لحظةً قَطّ، فَقط واصل (ي) طريقك في تحقيقِ نجاحاتك وَ سيرى الآخرونَ كيفَ أَنَّ مَن تسبَّبَ لك في تلكَ الأَوساخِ سيحتَرِقُ في كُلِّ لَحظَةٍ مُرَّةً تُلوَ الْمَرَّةِ الأُخرى دُونَ اِنقطاع، وَ يكفيك فخراً وَ شرفاً وَ اعتزازاً أَنَّ اللهَ يُحِبُّك حُبَّاً جَمَّاً؛ إِذ كشفَ لك الأَوساخَ على حقيقتِها قبلَ فواتِ الأَوان، فالخالِقُ الّذي أَحبَّك لَن يتخلّى عَنك بتحويلِ آثارِها إِلى إِيجابيِّاتٍ تدفعُك دَفعاً لإِحرازِ النجاحِ في الدُّنيا وَ تَحقيقِ الفلاحِ في الآخَرة، توجَّه (ي) بكيانك كُلِّه إِلى اللهِ كِياناً عاشِقاً مُحِبَّاً مُتيَّماً ساجِداً شاكراً إِيَّاهُ؛ فَهُو الّذي بيدهِ مقاليدُ الأُمورِ وَ إِن أَمهلَ فلَن يُهمِلَ ما أَمهلَ فيهِ؛ وَ إِنَّما: {اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَ يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ، أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ}، فيأَخذُهُم {بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}، {فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَ لَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}.

    تعليقات الفيسبوك

    الرابط المختصر :

    إترك تعليق

    البريد الالكتروني الخاص بك لن يتم نشرة . حقل مطلوب *

    *

    هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

    الإنضمام للجروب
    صفحتنا على الفيسبوك
    الأكثر قراءة
    مختارات عالم الفن
    شخصيات عامة