تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ❤️

قطرة ندى

قطرة ندى

قطرة ندى

منذ أن ماتت أمي منذ عدة سنوات ، وتزوجت أختي ، أصبحت أعيش وحيدا ، لم يعد معي أحدا يؤنس وحدتي ، صارت حياتي أشبه بجدول روتيني ، يتمحور حول زيارة قبر أمي كل جمعة ، وبعض الزيارات الخفيفة لبيت أختي وعملي اليومي الذي لا يسمن ولا يغني من فقر ، فرغم حصولي على شهادة الليسانس في الآداب قسم صحافة ، وطموحي الكبير أن أكون صحفيا ، إلا أنني وبعد توسط أحد أقربائي ، لم استطيع الحصول إلا على فرصة عمل بسيطة ، وهى توزيع الجرائد اليومية في أحد الأحياء الراقية بالقاهرة .
اعتدت أن أستيقظ مبكرا ، قبل طلوع الشمس ، حيث الشوارع شبه خالية من وجوه البشر ، وضجيج العاصمة ، أركب دراجتي البخارية ، لأقوم بتوزيع الجرائد ، مستمتعا بهواء الصباح المنعش وأصوات العصافير المغردة ، والهدوء المؤقت للعاصمة ، قبل أن تنفجر قنبلة الفوضى اليومية .
في البداية كان أصعب ما يواجهني في عملي ، هو إيصال الجرائد ، إلى الأدوار العليا في تلك العمارات الشاهقة التي تحتل العاصمة ، لكنني مع مرور الوقت ، تعلمت كيف ألقي بالجريدة إلى أعلى ، فتصل إلى الشرفات العالية ، بلا أدنى مشقة ، لدرجة أنني احترفت تلك الطريقة ، فكنت ألقي بالجريدة ، دون أن أنظر نحو الشرفة ، فتصل إلى الشرفة التي أريدها .
في أحد الأيام ، بينما كنت في أحد الأحياء الراقية ، ألقيت بالجريدة إلى احد الشرفات ، ولكنني سمعت صوتا أنثويا ، يصرخ في وجهي ـ انتبه أيها أعمى !
لقد اصطدمت الجريدة ، في وجه تلك الفتاة الواقفة في الشرفة ، فالتفت نحوها ، فتسمرت في مكاني ، من شدة جمالها ، الذي اختطف قلبي من النظرة الأولى .
فمنذ أن أنهيت دراستي الجامعية ، والتي انتهت معها ، قصة حب فاشلة ، نتيجة لظروف ما بعد التخرج ، لم يشغل عقلي وقلبي فتاة ، مثلما فعلت تلك الفتاة ، أشرت إليها معتذرا، فابتسمت ابتسامة اقتلعت قلبي من جذوره ، وتركتني وشرعت تتفحص الجريدة في شغف ، وكأنها تبحث عن شيء .
لم أنم طوال الليل ، ـ وصوت أم كلثوم يسامرني ” جددت حبك ليه بعد الفؤاد ما ارتاح ” ـ ، وأنا ما زلت أفكر في تلك الفتاة ، التي خطفت قلبي في ثوان معدودة ، وكأن (كيوبيد) كان يقف بجوارها ، فرشق سهمه في قلبي . ظللت أراقب تلك الساعة المعلقة على حائط غرفتي ، منتظرا موعد خروجي إلى العمل ، لكي أراها مرة أخرى ، حتى جاء الموعد ، هرعت مسرعا إلى ذلك الحي الذي تسكن فيه ، ونظرت إلى شرفتها ، فوجدتها واقفة في انتظاري ، فأشرت إليها بتحية الصباح ، وألقيت إليها بالجريدة ، فابتسمت في سعادة بالغة ، وشرعت تتفحص الجريدة كعادتها اليومية ، شعرت بتعلق شديد بتلك الفتاة ، كانت أجمل لحظات حياتي ، تلك اللحظات التي تجمعني بها ، وكأنها جاءت لتكمل ذلك الطقس اليومي الجميل ، كنسائم الفجر ونور الشمس وعصافير الصباح، أحسست بأن هناك شيئا جديد ، قد بدأ يولد في حياتي !
في المساء ، قررت أن أشاهدها عن قرب ، ارتديت أجمل ما عندي ، مشطت شعري ، وسويت لحيتي ، و ذهبت إلى ذلك الحي الذي تسكن فيه ، وتطلعت إلى تلك الشرفة التي تطل منها ، ظللت أدور حول البناية ، كالمجذوب الذي يدور حول المقام ، منتظرا أن تظهر في الشرفة أو تعبر الشارع ، لتدخل البناية أو تخرج منها .
أخيرا وبعد طول انتظار ، رايتها عن قرب وهي تنزل من سيارة أجرة ، بصحبة والدها ، وتأكدت أنها أجمل ، مما كنت أتوقع ، وما أن اختفت عن أنظاري ، حتى اقتربت من بواب البناية، وسألته عنها ، وعرفت أن اسمها ندى ، حاصلة على بكالوريوس تجارة ، ومن أسرة متوسطة الحال ، بنت طيبة ومتواضعة ، وحسنة السمعة .

فتعلقت أكثر بها ، وقررت أن أعلن لها عن حبي ، ظللت طوال الليل ، أفكر في طريقة ، تقربني منها أكثر ، وصوت عبد الوهاب يرن في أذني ” يا وردة الحب الصافي يسلم إيدين اللي رواكي ”
أصبح الصباح ، وبدأت في معاودة رحلتي اليومية ، ولكنني اليوم لن أوزع جرائد فحسب ، لكنني أصبحت أوزع الورد ، لقد وضعت لها وردة حمراء بين طيات الجريدة ، وما أن رايتها تقف في الشرفة كالأميرات ، حتى ألقيت إليها بالجريدة ، ونبضات قلبي ترتجف ، والخوف يكبل جسدي ، وانتظرت في خوف ، حتى فتحت الجريدة ، فارتسمت على وجهها ابتسامة كبيرة ، واحتضنت الجريدة ، وأشارت إلي بتحية تحمل فرحة كبيرة ، أحسست أن الدنيا قد ابتسمت إلي ، وأن حياتي قد دخلت ، فصلا ربيعيا جديدا ، ممتلئ بندى الورد ، مكسوا بخضرة الربيع ، وسنابل الخير ، القادم إلى صحرائي العارية من الأمل .
ظللت طوال الليل ، أفكر في كيفية الاقتراب أكثر وأكثر ، فكل العلامات تشير إلى قبولها الوصال ، فقررت أن أكتب إليها برسالة عشق ، لكنني آثرت أن أنتظر ، حتى أرى ما أسفرت عنه تلك الوردة الحمراء .
استقبلت يوما جديدا ، ممتلئ بالأمل والتفاؤل ، بذلك الوجه الملائكي الذي يسعد صباحي ، ويملأ يومي فرحة وسعادة ، كنت كلما اقتربت خطوة من شرفتها ، أشعر برغبة قوية في أن أطير كالفراشات ، وأحلق فوق رأسها ، وأسكن شعرها الأسود الطويل .
اقتربت من منزلها ، ونظرت نحو الشرفة ، فلم أجدها تطل كشمس كل صباح ، فجن عقلي ، ألقيت بالجريدة وانتظرت كثيرا ، لكنها لم تظهر ، شعرت بغم شديد ، وأنا أنصرف بعيدا ، تاركا الشرفة الخالية من حبيبتي .
استكملت بقية يومي حزينا ، وظللت أفكر في سر غيابها ، وأعطى المبررات لعدم ظهورها ، فيبدو أنها قد تأخرت في الاستيقاظ من نومها ، أو أنها لا قدر الله مريضة .
في اليوم التالي ، تكرر نفس ما حدث ، فلم تظهر كالمعتاد ، فازداد جنوني ، وأصبت بالألم والحيرة ، عشرة أيام مرت ، ولم تظهر شمس حياتي ، والحيرة تكاد أن تقتلني ، فقرر أن أسأل عنها ، ربما كانت طريحة الفراش، أو راقدة في أحد المستشفيات ، وتلك فرصة قوية ، لأعلن عن قربي منها ، فأقوم بزيارتها وتقديم الورد بنفسه .
في المساء ، اقتربت من بواب البناية ، وسألته عنها ، فاخبرني أنها قد سافرت ، لتعمل في إحدى دول الخليج ، والتي كانت قد تقدمت بأوراقها ، إلى سفارتها في القاهرة ، وكانت تنتظر نتيجة المسابقة ، حتى ظهر اسمها أخيرا في الجريدة ، وأنهت الإجراءات ، وسافرت منذ أربعة أيام

تعليقات الفيسبوك

الرابط المختصر :

إترك تعليق

البريد الالكتروني الخاص بك لن يتم نشرة . حقل مطلوب *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

الإنضمام للجروب
صفحتنا على الفيسبوك
الأكثر قراءة
مختارات عالم الفن
شخصيات عامة