تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ❤️

رسائــل الحكيــم عــن ملك أورشليـــم نبــى الله – “سليمان الحكيم”

رسائــل الحكيــم عــن ملك أورشليـــم نبــى الله – “سليمان الحكيم”

بقلم د. طــارق رضــوان
يعتبر توفيق الحكيم من رواد الرواية والكتابة المسرحية العربية ومن الأسماء البارزة في تاريخ الأدب العربي الحديث. وهو من أوائل المؤلفين الذين استلهموا في أعمالهم المسرحية موضوعات مستمدة من التراث المصري عبر عصوره المختلفة ، سواء أكانت فرعونية أو رومانية أو قبطية أو إسلامية.
كتب مسرحية “سليمان الحكيم” وقال عنها: ” ” بنيت هذه القصة علي كتب ثلاثة : القرآن والتوارة وألف ليلة وليلة وقد سرت فيها علي نهجي في ” أهل الكهف ” و” شهرزاد ” و ” بجماليون ” من حيث استخدام النصوص القديمة والأساطير الغابرة استخدما يبرز صورة في نفسي لا أكثر ولا أقل ”
قام المؤلف بعدة تحويرات وتعديلات أساسية علي سيرة النبي سليمان الحكيم وشخصيته نفسها تحقيقا للفكرةالتى قال عنها أنها فكرة فى نفسه وتجسيدا لها ربما كان من أهمها ، التعامل مع شخصية النبي سليمان تعاملا بشريا خالصا ، مجردا إياه عن مقام النبوة وما يتطلبه هذا المقام من توظيف فكره وعواطفه وجهده للرسالة المكلف بها وتسخير حياته وإمكاناته لها ، وجعل المؤلف النبي سليمان مهموما بكيفية التأثير علي بلقيس التي أحبها حبا جما والبحث بكل الطرق المشروعة وغير المشروعة للاستيلاء علي قلبها الذي توجهت عواطفه كلية نحو إنسان آخر وهو أسيرها الأمير”منذر” والذى بدوره كان محبا لوصيفة الملكة بلقيس “شهباء” ولكن الأخيرة تخجل من الملكة بلقيس ولا تصرح بحبها للأمير منذر
هنا يصور المؤلف نبى الله سليمان بانسان لا يهتم الا بحبه وشهوته ويبذل كل ما فى وسعه للوصول الى غايته وهذا بالطبع لا يليق بنبى أبن نبى، لكن المؤلف أوضح ذلك من خلال مراسلات ورسائل تتم عبر المسرحية بين سليمان الحكيم وبين بلقيس واصفا نبى الله بأنه سبيانى فى حبه رغم تعدد زوجاته. ويستمر المؤلف فى عرضه وهجومه على النبى سليمان فيعرض فى مسرحيته كيف ينتقم سليمان الحكيم من غريمه “منذر” فيحوله الى تمثال . وبهذا يكون وظف سليمان الحكيم نعم الله التى أنعم الله عليه بها والنعم التى لم تكن لنبى قبله والتى منحه الله اياها لخدمة الدعوة الى الله، وظفها بغية إشباع هوى ذاتي ورغبة شخصية. فيستجيب سليمان لفكرة من أفكار الجني ” داهش بن الدمرياط ” ! هكذا في رضا واستسلام ، ليقوم الأخير بمسخ الأمير منذر وتحويله إلي تمثال من الحجر ولا يصبح ثمة وسيلة أو مخرج لإنقاذه سوي سكب ماء العيون. بوالفعل حين يستعد الأمير منذر سيرته الأولى يظن أن من سكب عليه الدموع لفك سحره هى شهباء فيتمسك بها ويحبها أكثر حتى بعد ان علم أن من بكت عليه هى بلقيس لا يستطيع أن يفرط فى حبه لشهباء. وتسير الأحداث فى المسرحية لتبين القضية التي عرضتها المسرحية وهي انتصار سلطة القلب علي قمع القوة.
ونري في المسرحية ، كيف أن الرسائل التي كان يبعثها الملك سليمان من أجل إنفاذ الدعوة وتصريف شئون الحكم والدولة والرسائل التي بعث بها أيضا إلي بلقيس ملكة سبأ – كانت رسائل ذات طبيعة خاصة ومحمولة بطرق غير بشرية و منجزة بسرعة لا تقاس بنسب السرعات البشرية المحدودة. والله سبحانه وتعالي قد عضد ملك داوود عليه السلام فقال سبحانه ” وشددنا ملكه وأتيناه الحكمة وفصل الخطاب ” [ سورة ص الآية 20 ]
طموح سليمان عليه السلام في زمن البأس القوة كان طموح نبي عظيم ، طموحا يملأ قلب نبي بحب الله وتحقيق دعوته ونشرها في الأرض ، إنه لم يكن عاشقا للملك المجرد أو تواقا إلي الكبرياء والعظمة لكنه أراد أسباب القوة والملك ، ليحارب الظلام والقسوة التي انتشرت في الأرض وينشر نور التوحيد الذي تكرمت به السماء علي الأرض . ولقد استجاب رب العزة لدعوة نبيه وأجزل نعمه عليه خاصة. قال تعالي : ” وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون ” [ النمل – آية 17
وتتلخص رسائل المسرحية فى الرسالة الأولى حين نقل الهدهد لسليمان أمر الملكة بلقيس وقومها وهى كافرة لا تعبد الله فأمر سليمان صادوق ( الكاهن في مملكة سليمان ) – اكتب كتابا باسمي واختمه بخاتمي .. ادع فيه ملكة سبأ إلي المجيء إليّ وعرض أمرها عليّ .. واربط الكتاب بساق الهدهد ثم أطلقه في الفضاء.
الرسالة الثانية من بلقيس الى النبة سليمان بعد ان أخذت رأى وزرائها وقرروا أن يرسلوا وفدا رسميا نائبا عنها ومعه هدايا قيمة كى يتبينوا ما فى نفس سليمان: فإن زاغ بصر سليمان أمام بريق الهدية العظيمة فهو رجل يحب المال ويزهو بأسباب الملك والقوة وإن لم يحفل بها ، فهو رجل له شأن آخر غير شأن سائر الرجال والملوك.
الرسالة الثالثة وهي رد من الملك سليمان الحكيم علي رسالة الملكة بلقيس ذات الدلالة والمغزى وهو مغزي فهمه سليمان ووعاه.
وقائع الرد من خلال ذلك الحوار بين الملكة وكبير رسلها إلي سليمان :

الرسول: أيتها الملكة …

بلقيس: ما هذا ؟

الرسول : الهدية يا مولاتي … قد ردها الملك سليمان … قائلا لنا : لا حاجة بي إلي هديتكم ولا وقع لها عندي . ارجعوا إلي بلقيس وقومها ولنأتينكم بجنود لا قبل لكم لها … إذا لم تأت هذه الملكة إلي وتعرض أمرها علي …

الرسول مستمرا : الفضة والذهب يا مولاتي أو أورشليم مثل الحجارة والأرز …
وهنا يطرح السؤال الكبير نفسه علي الملكة وحاشيتها وهو: ماذا يريد الملك سليمان علي وجه التحديد ؟ وتتعدد التأويلات وتسعف الملكة فطنتها وقدراتها السياسية وتقول: ” ولماذا لا نفهم مراده علي وجه آخر … ملك غني يستضيف ملكة طمع في صداقتها ” …

ويعلق وزيرها الأول علي فهمها بقوله : ” حقا يا مولاتي … حقا ما السياسة إلا هذه … براعة تفسير المقاصد ومهارة فهم المراد تبعا لمقتضى الحال . وجهزت الملكة نفسها وبدأت رحلتها نحو مملكة سليمان .
وحين نفذ الجني خطته بتحويل منذر الى تمثال، يظهر سليمان شماتة واضحة بها ، إذ يعتبر بكائها ودموعها علي حبيبها ليل نهار أشهي إليه من الماء المثلوج في ليلة من ليالي الصيف القائظ .

سليمان: ( ينظر إلى بلقيس ويضحك طويلا ) .
بلقيس: ( دون أن تلتفت ) هذا أنت …
سليمان : أوليس هذا وقت مجيئي ؟
بلقيس : نعم .. جئت علي عادتك .. تمتع عينك بمرأي دموعي !
سليمان : آه .. لو علمت كم يلذ لي مرآها.. إنها تثلج قلبي .. إنه يغتسل فيها .
بلقيس : إنما أذرف دمعا سخينا أيها الملك .
سليمان: إن قلبي ليحسه رطبا باردا أيتها الملكة .. ” المسرحية ص 116 ”

وهنا تصل الأحداث إلي ذروتها وتتبلور عقدة المسرحية وحبكتها ويلوح الحل ، في تحقيق الشرط الذي يحدث ويتم بدموع بلقيس ودمعتين آخرتين ، تذرفهما شهباء حبيبة منذر ، ليبتل الحجر وتسري دماء الحياة فيه ، ليجد منذر شهباء أمام عينيه .

ويندم سليمان فى نهاية المسرحية مدركا بأن ما فعله لا يليق بملك عظيم ونبى كريم فيقرر أن يلتفت الى مملكته وشئونها ويكتقى بصداقة بلقيس التى غادرت اورشليم وعادت الى بلادها فى سبأ.
وهكذا تحل لحظة التنوير في المسرحية باقتناع سليمان بأن مفاتيح القلوب بيد الله وحده
فبعد رحيل الملكة ، توجه سليمان آسفا حزينا إلي قاعة الصرح الذي بناه لها ، وأمر الجميع بألا يعكر صفو خلوته أحد واتجه إلي كرسي عرشه ليجلس عليه ، خافضا رأسه ، متكأ علي عصاه ، وظل علي هذا الوضع زمنا ليس بالقليل ، حتى حار كبار حاشيته من طول عزلته علي غير العادة. وتكتشف الحاشية موت سليمان. . ويتبين للجميع جنهم وإنسهم ، خاصتهم وعامتهم ، أن لا قدرة لأحد علي سبر الغيب وأغواره ، فعالم الغيب وعجائبه وحكمة الله المنطوية فيه ، لا قبل لأي كائن بمعرفته
لا شك ان هناك هوة بين هذا العمل الأدبى وبين سيرة النبى سليمان المعروفه بالقرأن ولكن هذا تم لغرض فى نفس الكاتب فصنع انحراف فنى يخدم فكرته ولكنه تداركه فنيا فيبرز ما حدث بانه لحظة ضعف فى حياة سليمان الحكيم، نتج عنها ما نتج من أحداث ، ويحاول بنزعة تأكيد وإلحاح – أن يفرد فصلا بكامله ، حافلا باعتراف الملك سليمان بالذنب والتقصير والحيد عن مطلوبات الحكمة في لحظة ضعف إنساني . أسوء مافي المسرحية، هناك مقطع صغير وهو عبارة عن حوار قصير بين سليمان والكاهن، بإختصار في تلك المحاورة يريد سليمان أن يقول للملأ أنه مثل بقية البشر معرض للخطأ والمعصية. هنا يقول سليمان للكاهن أنتم الذين دائماً تتسترون على عيوبنا وهذا هو عملكم، طبعاً المعنى واضح وهو أن الكهنة وعلماء الدين هم من ينزهون الأنبياء من المعصية ويحسنون صورتهم.
المصادر والمراجع:
1- مسرحية ” سليمان الحكيم ” توفيق الحكيم .
2- موسوعة ويكيبيديا العربية

تعليقات الفيسبوك

الرابط المختصر :

إترك تعليق

البريد الالكتروني الخاص بك لن يتم نشرة . حقل مطلوب *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

الإنضمام للجروب
صفحتنا على الفيسبوك
الأكثر قراءة
مختارات عالم الفن
شخصيات عامة