تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ❤️

رحلة ذهاب بلا عودة

رحلة ذهاب بلا عودة

بقلم الدكتورة/ نجلاء حسين

وأنا فى رحلة الانتظار المملة عند الطبيب فى انتظار دورى للدخول استرعى
انتباهى حوار دائر بين رجل ووالدته عن مدى حزنه وعدم رضائه يحدث فى
حياته وحياة الكثير من أصدقائه ، وهنا تبدأ األم اإلنصات بإهتمام فيكمل االبن سرد
ما يجول فى خلده ويحزنه مستفسرا وكأنه يتحدث لنفسه مستنكرا :: لما الغربة !!
فتجيبه األم دون أدنى احتياج منه لكلمات أخرى توضح ماهية السؤال ، فهى األم
التى تفهم أبنائها دون احتياج لمعرفة تفاصيل ما يوجعهم ، وقد حاز الحزن مكانة
قوية على وجهها ، فتقول :: من أجل مستقبل أفضل ألبنائك ..فنظر اإلبن ألمه
بانكسار قائال :: أى مستقبل هذا الذى أبنيه وحدى دون أنيس أو جليس يؤنسنى
ويشعر بى !! أى مستقبل هذا الذى يجعلنى زوج وأب مع إيقاف التنفيذ !! أى
مستقبل هذا الذى يجعلنى بالنسبة ألسرتى بنك متنقل فقط ، عابر سبيل ، ضيف ثقيل
فى األجازات القصيرة المتباعدة !! أى مستقبل هذا الذى يقطع لغة الحوار بينى وبين
أوالدى !! أى مستقبل هذا الذى يجعلنى أفقد كيانى كرب أسرة ، معيل لها ، راع لها
صاحب الحكمة والنصيحة وقت اللزوم ، رقيب عليها من أى توجهات خاطئة !!
فوجئت األم وهى فى حالة صمت ووجع على فلذة كبدها ، بسيل من األسئلة
اإلستنكارية التى تحمل فى طياتها جروح لن يستطع الزمن مداواتها بعد فوات
األوان…… فقالت له محاولة منها لتهدئته :: لما تعذب نفسك ، هذا حال الكثيرين ،
فقال لها :: نعم أحيانا نحتاج لغربة لمعيشة أفضل ولكن إما يتغرب الرجل بأسرته
معه ، وإما يتغرب لفترة ما ويرجع ، ولكن أنا والكثيرين من الرجال بعد الزواج
واإلحتياج للغربة لفترة ما لتحسين مستوى المعيشة ، وجدنا أنا نغرق فى دوامة
استنزاف لحقوقنا كبشر فى احتياجنا ألسرنا وأوالدنا حولنا ،فكلما نعزم الرجوع نجد
أن سقف الطموحات عند األبناء وأحيانا الزوجات يعلو ويعلو ، فيطالبونا بتأجيل
الرجوع عام وراء عام ، والطموحات المادية ال تنتهى ، وعند الرجوع النهائى ،
نجد الزوجات قد تعودن البعد ونضب بحر المشاعر ، واألبناء نضجوا وكل على
حدة فى منزله الذى تم تأسيسه من غربتى وشقائى ، وعندما أحاول الحوار معهم أورؤيتهم ، كل واحد منهم يعتذر بما ورائه من مسؤوليات ، فأرجع من غربتى فى
شبابى وأجمل سنوات عمرى ، إلى غربة أبشع فى منزلى وحدى رغم وجود
زوجتى ، ولكن ال يشاركنا إال الصمت ألنه قد إنقطع الحوار منذ عمر غربتى من
أجلهم وبناء على رغباتهم ، فرجعت لبيتى ووطنى بعد شقاء السنون ألجد أن الجميع
قد سحب رصيده من بنك غربتى واستقل قطار الحياة فى رحلة ذهاب بال عودة.
وما كان من األم إال أن أغرورقت عيناها بدموع الشفقة والحزن على شباب ابنها
وزواجه وخلفه الذى لم يستمتع بأى منهم نتيجة الطموحات الوهمية الهدامة لكل
بيت…فى نهاية الحوار الذى جعل صدرى يأن لكل أسرة تهدم نفسها ورحمها نتيجة
اطماع دنيوية … قال اإلبن المكلوم لوالدته :: كم تمنيت أن أظل وحيدا طوال حياتى
دون زواج ، عوضا عن أن أكون زوج وأب فى خبر كان مع أسرة وهمية …
وهنا قرائى األعزاء يكون مرجوعنا دائما وابدا لميزان الحياة الذى نتناساه ، بالرغم
من إن تم استخدامه دائما فى كل أمورنا الدنيوية تستقم الحياة وتعتدل فى نصابها
الصحيح ولكننا لألسف نتغافل عنه دائما ، فينتهى بنا الغرق فى بحار الهموم
واالحزان ، ميزان الحياة الذى يتمثل فى أعظم دستور إلهى الذى وضعه رب العزة
مشرع القوانين الكونية ،،،،، حيث قوله تعالى فى كتابه العزيز }} وهللا جعلكم من
أنفسكم أزواجا وجعل لكم من ازواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات ، أفبالباطل
يؤمنون وبنعمت هللا هم يكفرون {{ ) النحل / 27 …)
وقوله تعالى :: }} ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل
لتعارفوا إن أكرمكم عند هللا أتقاكم إن هللا عليم خبير {{ ) الحجرات / 31 …)
ومن تلكم اآليتين نستوضح نظرة اإلسالم فى مفهوم األسرة وكينونتها وأهمية
ترابطها ، ال تفككها ، فهى اللبنة األساسية لبناء مجتمع سليم ودولة حقيقية وليس
بالفرد وحده تقام المجتمعات …..
فنجد أن اإلسالم قد وضع األسرة فى إطار محدد سليم تحوطه غريزة األمومة
وعاطفة األبوة وتكاتف األبناء داخل األسرة مع بعضهم البعض….وهنا تستحضرنى قصة رجل حكيم شعر بدنو أجله ،فجمع أوالده وأمرهم بإحضار
حزمة حطب قد شدت عيدانها معا بقوة ، وأمر اإلبن األكبر بكسر الحزمة
فاستعصت عليه وفشل فى كسرها ،وأمر بمحاولة كل إبن على حدة بكسر الحزمة
فلم يستطع أحد فعلها ، فأخذها األب وفك رباط الحزمة وأعطى كل إبن عود ليكسره
،فانكسرت العيدان بسهولة وهى منفصلة فى أيدى األبناء ، فقال لهم األب الحكيم ::
من هنا أوصيكم باالتحاد سويا كما الحزمة المترابطة عيدانها سويا وبقوة ،
فباتحادكم وترابطكم المتين سويا لن يهزمكم أحد ولن تهزمكم شدائد الدنيا ….
وهذا هو النظام األسرى الصحيح ، فال تفكك فيه وال نتاج من األبناء غير سوى
نفسيا ، تربويا أو إجتماعيا ،،، فالزواج عبادة ، حيث قال رسول هللا صلى هللا عليه
وسلم ]] من رزقه هللا امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه فليتق هللا فى الشطر
الباقى [[ / رواه الطبرى …وهنا نجد أن للمرأة المسلمة أعظم دور فى الحفاظ على
األسرة وعدم تفككها وترابط األب مع أبنائه ودوره األساسى فى الدعم النفسى لهم
فهو مقوم لسلوكهم ، مراقب لتصرفاتهم ، ليس كما نرى فى أيامنا هذه ، كل دور
الزوجة هو تحفيز الزوج على الغربة لتطلعات مادية أكثر حتى لو ميسورين الحال ،
وتكون النتيجة فى النهاية زوج وأب مكلوم على حاله كما روى بطل حكايتنا ….
ولذلك ندعو األسر بأن يكون هدفها األساسى فى الحياة تربية نشأ سليم نفسيا
وأخالقيا ، وليس غنيا بماله ومظهره الخارجى ، وهو فاقد لدواخله األساسية ، فال تكون المادة هى أكبر طموحاتكم ألبنائكم حتى ال ينتهى بكم المطاف فى غربة موحشة داخل أنفسكم نتيجة
استقالل األبناء أول قطار سريع فى رحلة الذهاب بلا عودة

 

تعليقات الفيسبوك

الرابط المختصر :

إترك تعليق

البريد الالكتروني الخاص بك لن يتم نشرة . حقل مطلوب *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

الإنضمام للجروب
صفحتنا على الفيسبوك
الأكثر قراءة
مختارات عالم الفن
شخصيات عامة