تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ❤️

“بلها واشرب ميتها” بقلم ناجي حجازي

“بلها واشرب ميتها” بقلم ناجي حجازي

كتب / الدكتور ناجي حجازي
بِلِّها واشربْ مَيِّتْها
هذا المشهد المسرحي الكوميدي التراجيدي كان يجب أن يكتب من ٣٥ عامًا.
تفتح الستارة على لافتة كبيرة مكتوب عليها (مجموعة شركات سوق العمل)
على الحائط إعلان كبير (مطلوب محاسبين وسكرتارية)
يقف عدد ضخم من الشباب في صف طويل وملتوٍ تفرع عنه عدد من براعم الصفوف الشيطانية التي لا أصل لها ولا فصل فهي أشبه بمواليد السِّفَاحِ.
يسود المكان هرج ومرج ومزاحمة مع همهمات بعض المزاحمين:
إيه القرف دا؟! لو مش عاوزين يعينونا زي غيرهم يعرفونا بدل الزحمة ال احنا فيها دي.
يخرج موظف مكفهر الوجه أصلع ذو ملامح حادة وعينان جاحظتان وشفتان غليظتان وشارب كثيف أسود ببشرة لا بنية ولا سوداء، فِطَحْل… يلقي نظرة متفحصة على الصف الذي لا نهاية له… يضع فنجان قهوته على مكتب أمامه ثم يشعل سيجارته ويأخذ نفسا عميقا مع رشفة بمزاااج من القهوة… يسترخي بظهره للخلف… يتفحص الصف مرة ثانية، ثم ينادي:

  • أنت يا ابني يا بتاع الأمن (يتّجه إليه وإلى الواقفين في الصف قائلا):
  • مش عاوز أشوف غير صف واحد في أقل من دقيقة!
    يرجّع رجل الأمن النتوء والدمامل التي التحمت مع الصف إلى الخلف؛ فأصبح الصف طويلا متثنيا كحبل لا تعثر على آخره.
    يرشف الموظف رشفة يتبعها بتنهيدة من فرط اللذة، ثم ينظر إلى الشاب الأول في الصف
  • فين أوراقك ومعاك إيه؟
    يعطيه الشاب ملفا وهو يقول: أنا بكالوريوس تجارة.
    يأخذ منه الملف باشمئزاز ويرميه على المكتب بإهمال… ثم يشير له بيده انصرف.
    يحتسي رشفتين متتابعتين من فنجانه اللذيذ ثم يحبس بنفسين من سيجارته وهو يقول:
  • ال بعده… معاك ايه؟
    يمد الشاب يده بملف وهو يقول:
  • معي بكالوريوس تجارة انجلش.
  • آه كويس سيب رقم تليفونك…
    يحتسي آخر رشفة من فنجانه اللذيذ ويشعل سيجارة جديدة… ويتفحص الصف من آخره بنفور وضجر وضيق يخرج مع دخان سيجارته معفرا كقطار فحم السكك الحديد إلى أن يحملق فيمن عليه الدور فيكلمه بقرف
  • وأنت؟
    أنا سعادتك تجارة انجلش وحاصل على الماجستير وبحضر الدكتوراه… ويمد يده بملفه
    ينهض الموظف من جلسته واقفا وهو يقول له:
  • خليه معاك… تعال معي
    ثم يصطحبه إلى الداخل
    ساد هرج ومرج في الصف حاول رجل الأمن السيطرة عليه… لم يمكث كثيرا ذاك الفطحل بالداخل، ثم عاد وفي يده فنجان جديد من القهوة… جلس على كرسيه يأخذ رشفات متتابعة من قهوته… كان الدور علي، وأنا أرمقه بنظراتي، وأتمتم بدعواتي.
    تمطّع الفطحل، وشد ظهره للخلف، وقال لي:
  • وأنت؟
    فقلت له في تلعثم وحشرجة
  • أنا سعادتك دبلوم تجارة
    ومددت له يدي بملفي الذي هو عبارة عن ورقة واحدة أَكَلَ عليها الدهر وشرب، وهي شهادة دبلوم المدارس التجارية عام ١٩٨٦م
    مد يده وأخذها مني، ثم هب واقفا مُحْمَرَّ الوجه والعينين… منتفخ الأوداج، وهو ينظر في الشهادة ويهزها يمينا وشمالا… ثم يسألني مرة أخرى
  • إيه دي؟
    بدأت انهار داخليا، وازدادت ضربات قلبي.. لكني حاولت أن أتجاسر، فغطيت على توتري بابتسامة باهتة، وقلت له بصوت لا يكاد يخرج:
  • شهادتي يا باشا
  • آه… أنت فطرت؟
  • لا
    لم أعد أفهم قصده لكني قلت في نفسي يبدو أن قلبه رق لي وربنا هيفرجها… لكنه لم يمهلني كثيرا وعاود يسألني بسخرية
  • طب شربت حاجة؟
  • لا حضرتك
    هز الورقة في يدها باستهتار واستهزاء واشمئزاز… وقال لي بلهجة حادة وهو يرميها نحوي.
  • دي تبلها وتشرب ميتها على الريق!!!
    ثم امتعض غيظا أكثر، وازدادت نبرته حدة، وهو يصرخ في بأعلى صوته.
  • امش يَلَا امش (يقصد يا ولد فيما يشبه مشهد غريب محمود مع عادل إمام في الجردل والكنكة)
    انفجرت القاعة من الضحك والقهقات…
    تصببت عرقا لكني تجاسرت، فكم منيت النفس بتلك الوظيفة… فحاولت أن أشرح له أني في حاجة ماسة إلى العمل… فقلت له:
  • أنا يا باشا دبلوم…
    لكنه لم يمهلني أكمل كلامي؛ فجاء إلينا صاحب الشركة من الداخل
  • فيه إيه يا أستاذ عباس؟
    أشار إلي بمنتهى السخرية وهو يقول:
  • البيه دبلووووم….
    تلفّتَ صاحب الشركة حوله وسَحَبَ خشبة من وراء الباب وصرخ وجعّرَ في وجهي قائلا:
  • غور يا دلدول يا ابن الدلدول
    قفزت وسط الجمهور الذي امتلأت القاعة بقهقهاته المتصلة… ثم تسحب ثلاثة أرباع الصف وسط الطرقات بين الجمهور الذي يشير إلى كل المنسحبين وينفجرون في الضحك أكثر… ثم بدأت الضحكات تهدأ ويعقبها بعض الكُحّات التي تأتي بعد نوبات الضحك الطويلة لعلكم جميعا جرّبتموها… بدأ الهدوء رويدا رويدا وأنا وكل رفاقي التعساء أصحاب شهادات بلها واشرب ميتها نبتل عرقا في الطرقات بين الجمهور. وإذا بواحد من الجمهور يقول لصديقه: عارف المشهد دا بيفكرني بمشهد يوسف عيد مع عادل إمام لما كان بيقول للحمار هتروح مني فين يا حمار يا ابن الحمار… انفجرت القاعة ضحكا مرة أخرى لم يقطع ذلك الضحك إلا رجل من الجمهور يجلس في الصفوف الوسطى حين هبَّ واقفا صارخا فيهم:
    عَلامَ تضحكون؟!!!
    يا سادة هؤلاء الشباب ضحايا. ولازم نتناقش مع المسؤولين حول مشكلتهم… حينئذ لَفَّ الصمت القاعة…
    ثم رميت بشهادتي عليهم ورمى كل الدباليم شهاداتهم فبدت وهي تتساقط عليهم كأنا نكرمهم بتعاساتنا.
    إلى اللقاء مع الجزء الثاني (ملف على مائدة مسؤول)
    وأعتذر من أعماق قلبي لكل من معه دبلوم، فما قصدت بذلك إلا تسليط الضوء على المشكلة.

تعليقات الفيسبوك

الرابط المختصر :

إترك تعليق

البريد الالكتروني الخاص بك لن يتم نشرة . حقل مطلوب *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

الإنضمام للجروب
صفحتنا على الفيسبوك
الأكثر قراءة
مختارات عالم الفن
شخصيات عامة