تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ❤️

الحروب الصليبية والأدب اليهودى

الحروب الصليبية والأدب اليهودى

 

بقلم :د. طـارق رضـوان

The Crusades And Jewish Literature
«الحرب والأدب» هو عنوان كتاب جماعي تحت إشراف «لورا ايش» أستاذة الأدب الإنجليزي في جامعة أكسفورد و«ايان بيترسون» الشاعر وأستاذ اللغة الإنجليزية في المعهد الملكي البريطاني، ومساهمة مجموعة من الباحثين وأساتذة الجامعات الذين يكرّسون مساهماتهم لهذه الحقبة التاريخية. ان العلاقة بين الحرب والأدب قامت دائما على مدى فترة طويلة من الزمن تمتد منذ زمن هوميروس و«حروب طروادة» في «الأوديسّة» و«الإلياذة» وحتى أعمال الكاتب البريطاني الشهير جورج اورويل وغيره من الكتّاب والأدباء المعاصرين.
ان حربين كبيرتين كان لهما حضورهما الكبير في الأدب الأوروبي عامّة. الحرب الأولى هي «الحروب الصليبية» التي عرفت ثماني حملات بين عام 1095 وعام 1291 وانتهت كلّها بالهزيمة. والثانية هي «حرب المائة عام» التي بدأت بعد 46 سنة من نهاية الحروب الصليبية وكان طرفاها هما فرنسا وإنجلترا، حيث كان الصراع بينهما على مناطق النفوذ وعلى السيادة على بعض المناطق. وكانت شخصيّة «جان دارك» أحد رموزها على الطرف الفرنسي، حيث يعتبرها الفرنسيون رمز تحرير «اورليان» من الاحتلال الإنجليزي
وأظهرت الحروب الصليبية حاجة المجتمعين الإسلامي والصليبي لإقناع شعوبهم بمشروعية تحركهم بل قداسته، وشرف ونبل غايتهم. وبحسب الدكتورة مي محمد حسن وفا في كتابها «الدعاية زمن الحروب الصليبية من القرن الحادي عشر إلى القرن الثالث عشر»،مثلت الحرب النفسية إحدى الوسائل الدعائية التي استخدمها كلا الطرفين الإسلامي والصليبي ضد بعضهم بعضاً، حيث كان لها أثر فعال في نجاح أحد الطرفين في الاستيلاء على بعض المدن، أو حسم نتيجة المعارك لصالحه.
وكان للحروب الصليبية الأثر الأعظم في إنعاش الحركة الأدبية في ذلك العصر ، فيمكن القول بأن هذه الحروب كانت النفير العام الذي دوى فأيقظ الشرق من رقدته ، ونبهه من غفلته ، ووحده بعد تفرقه وجمعه بعد شتات، وأعاده إلى الجد والصرامة ، بعد أن أضعفه الترف. واتخذ الشعراء والكتاب من الحروب الصليبية موضوعا لهم، وتأثرت أساليبهم بها ، ومن وحشيتها وأطماعها. لقد غلب الشعر الحماسي والفن النثري بشتى ألوانه على شعراء وأدباء هذا العصر حتى أصبح طابعا عاما، تلك الانتصارات التي أحرزها عماد الدين زنكي، ومن بعده نور الدين ومن بعده صلاح الدين ، بل لا نغالي إذا قلنا إن هذه القصائد وأمثالها هي التي غلبت على دواوين الشعراء.
وكان الخلفاء والقواد بعد أن تنتهي المعارك يعقدون ندواتٍ يعرض فيها ما ألف من شعر ونثر لكي يتدارسوه وينقدوه ،حتى إن بعض الملوك كان يجيد قرض الشعر وإنشاده ومنهم : الملك الأفضل بن صلاح الدين ، وتاج الملوك أخو صلاح الدين ، والملك الكامل بن الملك العادل ، وأخوه الملك المعظم عيسى ، وغيرهم الكثير. وقد اشتهر صلاح الدين ونور الدين محمود بميلهما للأدب وتقريبهما للأدباء والشعراء وتكريمهما الأدباء بالعطاء الجزيل.
ولم يكتفوا بذلك ، بل وصفوا النكبات التي مُنِي بها المسلمون ، وبخاصة الجرائم الوحشية التي اقترفها الصليبيون في القدس .وفي الحقيقة .. إن الأدب في هذا العصر أغلبه تلون بلون الحياة الحربية وما ينجم عنها من نصرٍ أو هزيمة.
كما اهتم الغرب الأوربي والأمريكي بقصة هذه الحروب التي اتخذت الصليب شعارا والقدس هدفا، وفي ظل الشعار والهدف ارتكبت أبشع ما يمكن للبشر أن يتصوره حتى بمقاييس العصور الوسطى التي اشتهرت بالقسوة وقلة الاهتمام بالجوانب الإنسانية في الحروب، وعلى الرغم من أن كثيرين في الغرب قد أدانوا الحروب الصليبية فإن هذه الإدانة في رأينا نابعة من حقيقة أن الحروب الصليبية فشلت في أن تحقق شيئًا على الرغم من أن فصولها الرئيسية قد دارت على مدى ما يقرب من قرنين من الزمان.
أما في المنطقة العربية الإسلامية فإن الدراسات الحقيقية لهذه الحركة ما تزال قليلة حقا، توقفت عند حد رواية الأحداث العسكرية والسياسية بطريقة سردية ، كما لجأ البعض إلى الدراسة الانتقائية بهدف دغدغة مشاعر الفخر والزهو الكاذبة في نفوسنا.
ولا يمكن القول بأن لليهود انحيازا إلى جانب أحد الطرفين المتصارعين؛المسلمين والمسيحين، بيد أن الموقف اليهودي من الحروب الصليبية يخدم الأهداف الصهيونية الأساسية من عدة جوانب فهو تعبير عن الاتجاه الصهيوني العام الذي يخلق مجموعة من الأكاذيب التاريخية ويروج لها لتحقيق مكاسب جديدة للحركة الصهيونية.
هذا الموقف اليهودي من الحروب الصليبية يتخذ مسارات أساسية ثلاثة:
أولاً: محاولة تصوير الاضطهادات التي أوقعها الصليبيون باليهود في أوروبا الغربية على أنها حلقة من ضمن سلسة الظاهرة التي أطلقوا عليها معاداة السامية. ثانيًا: محاولة سرقة التاريخ العربي في فلسطين والمنطقة العربية من خلال اختلاق دور تاريخي لليهود في التصدي للعدوان الصليبي بشكل يوحي أن اليهود أصحاب الأرض. ثالثًا: دراسة الكيان الصليبي مع التركيز على المشكلات الأساسية التي أدت إلى فشله ككيان دخيل.
أولى هذه الحقائق أن اليهود في فلسطين عند قدوم الحملة الصليبية الأولى وقبلها بزمن طويل لم يكونوا يعيشون ضمن كيانات سياسية مستقلة ، ولكنهم عاشوا في رحاب العالم العربي الإسلامي باعتبارهم أقلية دينية يتمتعون بالحريات الدينية والاقتصادية والاجتماعية التي كفلتها لهم النظرية السياسية والإسلامية وتطبيقاتها التي تجعل من غير المسلمين أهل ذمة في دار الإسلام تجب على المسلمين حمايتهم لقاء ضريبة الجزية، ولأنهم لم يكونوا يعيشون في كيان سياسي مستقل فإنهم لم يكونوا يمتلكون الجيش أو الوسيلة العسكرية التي تمكنهم من التصدي للعدوان الصليبي.
كما أن القول بأن اليهود قد تصدوا لمقاومة العدوان الصليبي على المنطقة العربية الإسلامية التي عاشوا في رحابها آنذاك كان يقوم على عقيدة الجهاد التي هي فرض على المسلمين وحدهم ومن ثم لم يكن ممكنًا أن يلتحق غير المسلمين بالجيش الإسلامي، وإذا كانت المصادر قد حدثتنا عن مساهمات فردية من جانب المسيحيين الشرقيين في أعمال المساعدة العسكرية ضد الصليبين فإن هذه المصادر نفسها لم تذكر لنا مثلاً واحدًا على قيام اليهود بمثل هذه العمل، ومن ناحية أخرى فإن يهود ذلك الزمان لم يكونوا أهل قتال ، وهذه حقيقة وعلى جانب كبير من الأهمية ، لاسيما إذا وضعنا في اعتبارنا أن الجنود والمقاتلين المحترفين كانوا يتفرغون للحياة العسكرية طوال حياتهم نظرًا لما كان القتال يتطلبه آنذاك من مهارات عالية ولياقة جسمانية وتدريب مستمر ، فضلاً عن أنه لم يكن مسموحًا لعامة الناس بامتلاك الخيول والأسلحة باعتبارها من أدوات القتال.
حقًا لم تفرق سيوف الصليبين بين المسلمين والمسيحيين العرب واليهود في مجزرة بيت المقدس ، فقد كانت النظرة الصليبية الدينية تجاه الفريقين واحدة تقريبًا، لقد قامت الفكرة الصليبية على أساس تكفير المسلمين واليهود باعتبارهم أعداء للمسيحية ، وعلى هذا الأساس منع الصليبيون المسلمين واليهود من دخول بيت المقدس ، وكانت ذريعتهم في ذلك أنه يجب تطهير الأماكن التي شهدت تجسد السيد المسيح ومعاناته وآلامه من أولئك الذين تسببوا في آلامه (اليهود) وأولئك الذين يضطهدون أتباعه المسلمين.
هذا الدور السلبي لليهود في إطار النظرة الصليبية الموحدة تجاههم هم والمسلمين لا يعطى للمؤرخين اليهود الحق في المساواة بين دور العرب المسلمين ودور اليهود في الصراع ضد الصليبين، ذلك أن مثل هذا الموقف يغفل تمامًا السلبية التي اتسم بها الموقف اليهودي منذ بداية الحركة الصليبية ، حيث قبلت الجماعات اليهودية الاضطهاد الذي حلَّ بها في أوروبا ، ولم تفعل شيئًا سوى الانتحار الجماعي، كما أن الجماعات اليهودية في فلسطين لم تكن تملك سوى أن تستسلم لمصيرها على أيدي الصليبيين. ومن الأمور ذات الدلالة أن الحي اليهودي في مدينة بيت المقدس كان هو نقطة الضعف التي استفاد منها الصليبيون في حصارهم للمدينة ومنها شقوا طريقهم إلى داخل المدينة المقدسة.
وفيما يتعلق بالموضوع الأول أي الاضطهادات الصليبية ليهود أوروبا، فحقيقة هذه الاضطهادات الصليبية ليهود أوروبا إبَّان أحداث الحركة الصليبية ان الفلاحين والفقراء من سكان المدن الناشئة كانوا يتورطون باطراد في ديونهم للمرابين اليهود بالقدر الكافي الذي جعلهم يشعرون بالسخط تجاه أولئك المرابين الذين كانوا يفرضون على عملائهم أرباحًا باهظة وصلت أحيانًا إلى خمسين بالمائة من قيمة الدين ، وخلال القرن الحادي عشر تصاعدت مشاعر العداء تجاه اليهود ؛ نظرًا لأن عدد من يقترضون المال منهم قد تزايدوا ، كما جاءت الحركة الصليبية وما صاحبها من تطرف ديني وهوس أخرى لتصب مزيدًا من السخط على نيران الكراهية ضد اليهود.
لقد كان الأساس الفكري للحركة الصليبية هو العداء للآخر ، سواء كان هذا الآخر هو مسلم أو مسيحي. إلى حقيقة أن هذه الاضطهادات لا يمكن أن تدخل في السياق العام لما يسمى بمعادة السامية التي ابتدعها اليهود وروجوا لها لخدمة أهداف الحركة الصهيونية، فإذا كان التاريخ اليهودي قد شهد بعض حوادث العنف ضد الجماعات اليهودية في المجتمعات التي عاشوا في رحابها فان كل حادثة كانت إفرازًا لظروف خاصة بالمجتمع والعصر الذي حدثت فيه ،ولا يمكن أن نضعها جميعًا في سياق واحد، وتظل كل كارثة من هذه الكوارث قائمة بذاتها في إطار ظروفها التاريخية الخاصة فلا يمكن أن نضع الحوادث الناتجة عن التعصب الديني في إطار واحد مع الحوادث الناتجة عن التخلخل الاقتصادي أو الاضطراب السياسي مثلاً؛ ومن ثَمَّ فإن ما حدث أثناء فترة الحروب الصليبية لا يمكن ربطه بما حدث لليهود في أسبانيا على يد الغربيين من قبل، أو بما حدث لهم نتيجة لأحداث الوباء الأسود من بعد، كما أنه لا يمكن ربطه بما حدث لهم على أيدي الرومان في سنة 70 ميلادية أو ما حدث لهم في ألمانيا النازية في القرن العشرين، وهي مسألة فيها من الدعاية أكثر مما فيها من الحقائق التاريخية على أية حال.
وراحوا يختلقون لأنفسهم وجودًا تاريخيًا على الأرض العربية ، وامتدت أياديهم تسرق التراث والفن والتقاليد العربية وتنسبها إلى الإسرائيليين ، فهناك على سبيل المثال مركز إسرائيلي للدراسات والبحوث الفولكلورية تابع للجامعة العبرية في القدس ، وهو يهتم بجمع وتسجيل ما يسمى بالتراث الفولكلوري الإسرائيلي، لهذا المركز أرشيف يضم آلاف النصوص الشعبية وهو أمر يثير الدهشة والتساؤل على حد تعبير أحد الباحثين ، فكيف يمكن أن يوجد ما يسمى الفلكلور الإسرائيلي ، ولم يكن هناك قبل سنة 1948 شعب اسمه الشعب الإسرائيلي ، ولم تكن هناك دولة اسمها إسرائيل، ذلك أن الحقيقة العلمية تفترض أنه لكي يكون لشعب ما تراث شعبي فإنه ينبغي أن يكون هناك وطن يعيش فيه، ولغة يستطيع أن يبدع فيها ، وأن يعبر بها عن نفسه، ومن الثابت تاريخيًا أن ذلك لم يحدث؛ فالأدب العبري مثلاً مصطلح يطلق على أدب لم يدون في وطن بعينه أو لغة بعينها، بل في مختلف دول الشرق والغرب قديمًا وحديثًا، والقليل منه هو الذي وصلنا في العبرية سواء قبل الميلاد أو بعده.. “. وما يقال عن اللغة العبرية يقال أيضا عن الشعب الإسرائيلي الذي يتكون من جماعات تنتسب إلى قوميات مختلفة وثقافات متعددة ومراحل حضارية متفاوتة، ولا يجمع بينهما سوى الدين اليهودي الذي لا يمكن أن يكون وحده أساسًا لقيام الأمة
فقد اشتهر عدد كبير من قادة الكيان الصهيوني بالتنقيب عن الآثار ، وقد سرقوا كثيرًا من الآثار من فلسطين والأردن وسوريا وسيناء ، كما أنهم نشطوا تمامًا أثناء الغزو الإسرائيلي الأخير للبنان في سرقة الآثار بشكل يهدد السمعة التي تتمتع بها المنطقة العربية في هذا المجال، والمشكلة أفدح وأخطر من أن نغض الطرف عنها ، فقد يأتي يوم ينظر فيه العالم إلى المنطقة العربية على أنها تعيش عالة من الناحية الحضارية على تراث إسرائيل وإبداع الشعب الإسرائيلي المستمر المتواصل عبر الزمان والمكان
ومع تسليمنا بوجود الكثير من أوجه الاختلاف بين الحركة الصليبية والحركة الصهيونية من ناحية وبين الكيان الصليبي والكيان الإسرائيلي من ناحية أخرى فإن هناك جوانب أساسية للتشابه بينهما ، فكلتا الحركتين استعمارية استيطانية تسربت برداء الدين ، وارتكزت على مفهوم الخلاص وفكرة الشعب المختار والأرض الموعودة ، وهي أفكار أعلنها البابا أربان الثاني صراحة بكليرمون عشية الحروب الصليبية ، كما روجت لها القراءة الصهيونية عشية الهجوم على فلسطين وما تزال ترددها. كما أن الصليبين والصهاينة يشتركون في الاعتماد على مساندة الظهير من خارج المنطقة كما هو الغرب الأوربي في كلتا الحالين.
تأثر الأدب بشكل عام بالحروب، ومنها الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية التي غيرت مجرى الرواية سواء على المستوى العربي أو العالمي لما عايشوه الأدباء بأجواء الحرب، فخرجت لنا ألوان من الرواية، كلها تتحدث عن أجواء الحرب كل يراه من زاويته مثل رواية الجندي الصالح زفاك، رواية التوأمتان Mirror Image، رواية الرداء الأخضر Greenmantle، رواية النهر الكبير ذو القلبين Big Two-Hearted River، امرأة صالحة A Good Woman، جوني حمل سلاحه Johnny Got His Gun، رواية سفر إلى آخر الليل Journey to the End of the Night، وداعًا للسلاح A Farewell to Arms، رواية ذهب مع الريح Gone with the Wind، رواية بين القصرين، زقاق المدق، لا أحد ينام في الإسكندرية

تعليقات الفيسبوك

الرابط المختصر :

إترك تعليق

البريد الالكتروني الخاص بك لن يتم نشرة . حقل مطلوب *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

الإنضمام للجروب
صفحتنا على الفيسبوك
الأكثر قراءة
مختارات عالم الفن
شخصيات عامة